جيرار جهامي
مقدمة الكندي 13
موسوعة مصطلحات الكندي والفارابي
« مخرج النفس إلى أن تصير بالفعل عاقلة بعد أن كانت بالقوة » ، متأثّرا بجانب من فلسفة المعرفة الأرسطية وشروحات الإسكندر الأفروديسي عليها . فهو يورد أنواع العقل حسب المعلّم الأول ، وأولها العقل الذي بالفعل أبدا كما ذكرنا ، وثانيها العقل بالقوة ، وثالثها العقل الذي خرج من القوة إلى الفعل ، ورابعها العقل بالحسّ المسمّى بالهيولاني عند العرب . كذلك اهتمّ الكندي بتصوّره لعلاقة الكون بمكوّناته المخلوقة والمبدعة من قبل اللّه . أوضح لنا ماهية الأجرام الفلكية ومدى تأثيرها على البشر ، حياة ونطقا وتمييزا وحسّا وفضيلة ، كما ولادة وتناسلا . فقواها الكامنة تعكس قدرة إلهية خارقة أبدعت الموجودات على النحو التي هي عليه . فقد فطرت الأجسام السماوية لطيفة بسيطة كرّية ، والأجسام الطبيعية مجسّمة بالية متغيّرة . أما الأرض فمتساوية البعدين من الأقطاب ، والسماء عالية عليها . انطلاقا من هذا التمييز ، وجب الفصل بين الأشياء الواقعة تحت عالم الكون والفساد ، وتلك الفوقانية الأزلية التي لا تستحيل ولا تفسد . إنه البعد الطبيعي - الماورائي الذي رسم خطّه أرسطو للتمييز بين العالمين ، بعد ما أوضح أفلاطون ضرورة إصلاح النفوس والأجساد معا لبلوغ غاية الحياة . يقول الكندي في رسالة الحيلة لدفع الأحزان : « ينبغي أن نحتمل في إصلاح أنفسنا من بشاعة العلاج وصعوبته واحتمال المؤن فيه أضعاف ما نحتمل من ذلك في إصلاح أجسامنا » . هنا تتلاقى الخلقيات مع الفلكيات التي تؤثّر أجرامها على طوالع الناس وكيانهم ، من غذاء ونمو وتوالد وفساد وتحوّل من عالم الفناء إلى عالم البقاء . بدا الكندي ، وفي ضوء تنوّع مصطلحاته على تدرّجاتها وفي حقولها الخاصّة ، ممسكا بنياط الفلسفة اليونانية . وقد بان هذا الغنى عندما ذكر ، في معرض إحصاء كتب أرسطو ، مضمون كلّ منها والغرض منه . وقد صنّفها وفقا لعلوم اليونانيين انطلاقا من الطبيعيات ، مرورا بالمنطقيات والنفسانيات والخلقيات ، وصولا إلى السماويات والماورائيات . وهذا ما يجلي لنا وعيه للمذهب الفلسفي بمعناه النسقي المنتظم الذي ، لو جمعت رسائله ربما ، لاتّضح لنا التزامه به نظرا إلى تفرّع مصطلحه في أبعاده هذه كافة .